الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
58
مختصر الامثل
المسألة بشكل كامل ، واعتبروها شبيهة بالوساطات التي تقدم إلى السلاطين والحكام الظالمين . وثمة مجموعة كالوهابيين استندوا إلى الآية الكريمة : « لَايُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ » . فأنكروا الشفاعة تماماً ، دون الالتفات إلى سائر الآيات في هذا المجال . الشّروط المختلفة للشفاعة : آيات الشفاعة تصرح أنّ مسألة الشفاعة في مفهوم الإسلام مقيدة بشروط ، هذه الشروط تحدد تارة الخطيئة التي يستشفع المذنب لها ، وتحدّد تارة أخرى الشخص المشفوع له ، كما تقيد من جهة أخرى الشفيع ، وهذه الشروط بمجموعها تكشف عن المفهوم الحقيقي للشفاعة وعن فلسفتها . ثمّة ذنوب كالظلم مثلًا خارجة عن دائرة الشفاعة حيث يقول القرآن : « مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ » « 1 » . كما أنّ الشفاعة - وطبقاً للآية ( 28 ) من سورة الأنبياء - لا تشمل إلّاأولئك المرتقين إلى درجة « الارتضاء » وإلى درجة الالتزام بالعهد الإلهي حيث يقول القرآن : « لَايَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمنِ عَهْدًا » « 2 » . الارتضاء ، واتخاذ العهد ، يعنيان على المستوى اللغوي ( وكذلك ما ورد من الروايات في تفسير هذه الآيات ) : الإيمان باللَّه والحساب والميزان والثواب والعقاب ، والاعتراف بالحسنات والسيئات ، وبما أنزل اللَّه ، إيماناً عميقاً في الفكر ، ظاهراً في العمل . . . إيماناً يبعد صاحبه عن صفات الظالمين الذين لا يؤمنون بأية قيمة إنسانية ، ويدفعه إلى إعادة النظر في منهج حياته . وبشأن الشفعاء ذكر القرآن لهم شرطاً في قوله تعالى : « إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقّ » « 3 » . من هنا فالمشفوع له أيضاً ينبغي أن يسلك طريق الحق في القول والعمل ، كي يكون له ارتباط بالشفيع ، وهذا الارتباط الضروري بين الشفيع والمشفوع له يعتبر بدوره عاملًا بنّاءاً في تعبئة الطاقات على طريق الحق .
--> ( 1 ) سورة غافر / 18 . ( 2 ) سورة مريم / 87 . ( 3 ) سورة الزخرف / 86 .